Content

إمكانية التنبؤ بالأزمات الاقتصادية اعتماداً على العلاقة التبادلية بين أداء البورصة وأداء الاقتصاد الكلى

الاثنين، 30 مايو 2016
تمثل قضية التوقعات بالأداء الاقتصادى قضية هامة لمتخذى القرار، حيث يتم الاعتماد فى عملية رسم السياسات الاقتصادية الكلية على تقديرات وتوقعات الأداء الاقتصادى فى المستقبل وخاصة فيما يتعلق بأداء المؤشرات الكلية للاقتصاد كالنمو والتضخم وأسعار الفائدة، وكلما كانت تلك التوقعات رشيدة وواقعية ساعد ذلك على اتخاذ قرارات اقتصادية سليمة وأكثر دقة، وأدى إلى اتخاذ إجراءات تصحيحية فى توقيتات مبكرة تضمن استمرار النمو الاقتصادى أو تلافى الركود والأزمات الاقتصادية، وهو ما يعطى أهمية بالغة لنماذج التنبؤ والتوقع الاقتصادى والضرورة الملحة لتطويرها بشكل دائم ومستمر لتعكس بشكل أفضل وأكثر كفاءة مستقبل الاقتصاد.

وقد ازدادت أهمية التوقعات الاقتصادية بشكل ملح خلال العقود الأخيرة والتى شهدت تمدد فى حجم الاقتصاد العالمى وتسارع فى وتيرة نموه وتطوره، حيث تزامن ذلك مع تزايد الأزمات الاقتصادية وتواليها وزيادة حدتها، فبعض الدراسات تشير إلى أن الاقتصاد العالمى قد شهد أكثر من 124 أزمة اقتصادية ومالية خلال الثلاثين عاما الاخيرة،  ويمكن القول أن وجود توقعات اقتصادية رشيدة كانت لتسهم –لا لعدم ظهور الأزمات – ولكن على أقل تقدير فى تخفيف حدة تلك الأزمات وتكلفتها الاقتصادية والإجتماعية، حيث أن التوقعات كانت لتساعد متخذى القرار على رسم سياسات اقتصادية أكثر موائمة للازمات الاقتصادية.

ومن جانب أخر فتمثل البورصة محوراً أساسياً فى عملية التنمية الاقتصادية، حيث تسهم فى التكوين الرأسمالى اللازم لنمو الشركات وزيادة رأسمالها ومن ثم زيادة النمو الاقتصادى، كما أصبحت تمثل ركنا أساسياً فى القطاع المالى الذى أصبح يلعب دوراً واسعاً فى النشاط الاقتصادي لغالبية الدول، وبالرغم من هذا الدور الهام إلا ان هناك اعتقاد تقليدياً سائداً أن البورصة هى مرأة للأداء الاقتصادي، أى أن أداء البورصة يعكس بشكل أو بأخر الأداء الاقتصادى (الحالى) للدولة، حيث أن البورصة تتأثر بشكل واضح بالأداء الاقتصادى إيجاباً وسلباً، وبالتالى فإن أداء البورصة هو مؤشر" تابع" لاداء الاقتصاد.

ولكن العديد من الدراسات التى سيتم استعراضها لاحقاً قد توصلت إلى نتائج مختلفة، حيث توصلت بعض الدراسات إلى أن أداء البورصة قد يسبق بشكل أو بأخر أداء الاقتصاد، وذلك نظراً إلى الطبيعة الديناميكية لأسواق المال وتحركاتها اليومية والتى تسمح بالكشف عن توقعات المستثمرين المستقبلية لأداء الاقتصاد Forward Looking Effect بشكل أسرع من المتغيرات الاقتصادية التقليدية التى تحتاج إلى وقت أطول لرصدها وإعلانها، لذلك عادة ما تبدأ أسواق المال فى الصعود فى نهاية فترات الركود وقبل فترات الصعود، أو تبدأ أسواق المال فى الهبوط فى نهاية فترات الرواج الاقتصادى نظراً لتخوف المستثمرين من قرب انتهاء الرواج.

وقد ركزت عدد من الدراسات الأخرى إلى أن العلاقة قد تكون تبادلية بين مؤشرات البورصة ومؤشرات الاقتصاد الكلى وهو ما يعنى أن الصدمات فى أحد القطاعات قد تكون ذات تأثير على بقية المؤشرات والقطاعات الأخرى والعكس بالعكس، وهو ما يخلق الاهتمام بدراسة حركة البورصات وتفهم طبيعة علاقتها ببقية مؤشرات الاقتصاد الكلى، بحيث يمكن تفهم أكثر المؤشرات الخاصة بالبورصة التى يمكن أن تكون ذات مدلول لصانع القرار فى تحسين درجة التنبؤ بالمستقبل الاقتصادى ومن ثم الأزمات الاقتصادية.

ومع التسليم بأن طبيعة هذه العلاقات ليست ثابتة وإنما يمكن أن تختلف من دولة لأخرى بسبب العديد من العوامل التى ترجع لحجم البورصة وكفائتها ومدى تأثيرها فى الاقتصاد وطبيعة تجاوب مؤشرات الاقتصاد الكلى مع الصدمات التى تتعرض لها أسواق المال، لذلك تركز تلك الدراسة على تفهم طبيعة العلاقات التبادلية بين مؤشرات الاقتصاد الكلى وأداء البورصة المحلية، وبما يمكن من بناء نواة يمكن الاعتماد عليها مستقبلاً فى تفهم أثر الازمات والصدمات التى يتعرض لها الاقتصاد والبورصة وتأثير تلك الأزمات التبادلية، وفى نفس الوقت تحديد مدى إمكانية الاعتماد على تحركات البورصة كوسيلة –أو أحد الوسائل- للتنبؤ بأداء الاقتصاد المستقبلى وبالأخص الأزمات الاقتصادية وبالتالى مساعدة متخذ القرار فى وضع سياسات اقتصادية أكثر رشادة اعتماداً على تلك التوقعات.


ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

 
برمجة وتصميم: abdessamad